محمد جمال الدين القاسمي
284
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عزيرا سأل اللّه مثل ما سأل موسى ، ثلاث مرات ، فقال اللّه تعالى له : أتستطيع أن تصرّ صرّة من الشّمس ؟ قال : لا . قال : أفتسطيع أن تجيء بمكيال من الريح ؟ قال : لا . قال : أفتسطيع أن تجيء بمثقال أو بقيراط من نور ؟ قال : لا . قال : فهكذا لا تقدر على الذي سألت عنه . أما أني لا أجعل عقوبتك إلا أني أمحو اسمك من الأنبياء ، فلا تذكر فيهم . فلما بعث اللّه عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك ، كموسى . وأجيب عليه بمثل ذلك ، وقال اللّه تعالى : لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك ، فجمع عيسى من معه فقال : القدر سر اللّه تعالى فلا تكلفوه . وروى الطبرانيّ عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر ؟ فقال : وجدت أطول الناس فيه حديثا أجهلهم به . وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به ، ووجدت الناظر فيه كالناظر في شعاع الشمس ، كلما ازداد فيه نظرا ازداد تحيرا . قلت : ويشهد لهذه الآيات ما جاء في كتاب اللّه من قول الملائكة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] . والجواب الجمليّ عليهم كما مر . وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث ، رجال بعضها ثقات ، وبعضها شواهد لبعض ، كما أوضحته في ( العواصم ) وأقلّ من هذا مع شهادة القرآن والبرهان لذلك ، يكفي المنصف . وما حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة وحيرة . الأمر الثالث - من المتشابه : الحروف المقطعة أوائل السور ، فإن الجهل بالمراد بها معلوم ، كالألم والصحة . والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ، ونحو ذلك ضروريّ . ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل اللّه سورة كلها كذلك أو كتابا من كتبه الكريمة ، ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ، ويلوموا من طلب منهم بيان مقاصدهم ، ونحو ذلك . وهذا هو اختيار زيد بن عليّ عليه السلام ، والقاسم والهادي عليهما السلام ، وهو نص في تفسيرهما المجموع . وكذلك الإمام يحيى عليه السلام ، ذكره في ( الحاوي ) وقولهم : إنا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها - مقلوب . وصوابه : أن لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها . وقد ذكرت في الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكميلة ترجيح أساليب القرآن . الأمر الرابع - من المتشابه : المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن ، سواء كان بسبب الاشتراك في معناه ، أو لغرابته ، أو عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع ، أو غير ذلك . فقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام ، كيف لغيره ؟ وذلك قوله :